ابن عجيبة

365

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فَإِنْ تَوَلَّوْا وأعرضوا عن التوحيد فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ، فقد لزمتكم الحجة ، فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم ، وأنتم كافرون بما نطقت به الكتب وتواطأت عليه الرسل . تنبيه : أنظر ما في هذه الآية من المبالغة وحسن التدرج في الاحتجاج ، بيّن أولا أحوال عيسى وما تطاور عليه من الأطوار المنافية للألوهية ، ثم ذكر ما يحل عقدتهم ويزيح شبهتهم ، فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإعجاز ، ثم لمّا أعرضوا عنها وانقادوا بعض الانقياد ، عاد عليهم بالإرشاد ، وسلك طريقا أسهل وألزم ، بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى وسائر الأنبياء والكتب ، ثم لمّا لم يجد ذلك فيهم شيئا ، وعلم أن الآيات والنذر لا تغنى عنهم شيئا أعرض عنهم ، وقال : فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ . قاله البيضاوي . الإشارة : الطرق كثيرة والمقصد واحد ، وهو التوحيد الخاص ، أعنى مقام الفناء والبقاء . فالداعون إلى اللّه كلهم متفقون على الدعوة إلى هذا المقصد ، فكل طريق لا توصل إلى هذا المقصد لا عبرة بها ، وكل داع لا يبلغ إلى هذا الجمال فهو دجال ، فإن رضى بتعظيم الناس ، ولم يبن طريقه على الأساس ، فليس لصاحبه إلا الإفلاس ، وكل من أطاع المخلوق في معصية اللّه فقد اتخذه ربّا من دون اللّه ، وكل من تولى عن طريق الإرشاد فقد استوجب لنفسه الطرد والبعاد ، فيقول له الواصلون أو السائرون : ( فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون ) . وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . ولما قدم وفد نجران المدينة ، التقوا مع اليهود ، فاختصموا في إبراهيم عليه السّلام فأتاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد إنا اختلفنا في إبراهيم ودينه ، فقالت النصارى : كان نصرانيا ، وقالت اليهود : كان يهوديا ، وهم أولى الناس به ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « كلا الفريقين برئ من إبراهيم ، بل كان إبراهيم حنيفا مسلما ، وأنا على دينه ، فاتبعوا دينه الإسلام » . فأنزل اللّه : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 65 إلى 68 ] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 65 ) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 66 ) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 67 ) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ( 68 )